القرطبي
312
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السابعة عشرة - وأما ما لا مثل له كالعصافير والفيلة فقيمة لحمه أو عدله من الطعام ، دون ما يراد له من الاغراض ( 1 ) ، لان المراعى فيما له مثل وجوب مثله ، فإن عدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره . ولأن الناس قائلان - أي على مذهبين - معتبر للقيمة في جميع الصيد ، ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم ، فقد تضمن ذلك الاجماع على اعتبار القيمة فيما لا مثل له . وأما الفيل فقيل : فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان ، وهي بيض خراسانية ، فإذا لم يوجد شئ من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاما ، فيكون عليه ذلك ، والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب ، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء ، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه ، وهذا عدله من الطعام . وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر . الثامنة عشرة - قوله تعالى : ( يحكم به ذوا عدل منكم ) روى مالك عن عبد الملك ابن قريب عن محمد بن سيرين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال : إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثغرة ثنية ( 2 ) ، فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فماذا ترى ؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت ، فحكما عليه بعنز ، فولى الرجل وهو يقول : هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلا يحكم معه ، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله ، هل تقرأ سورة " المائدة " ؟ فقال : لا ، قال : هل تعرف الرجل الذي حكم معي ؟ فقال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : لو أخبرتني أنك تقرأ سورة " المائدة " لأوجعتك ضربا ، ثم قال : إن الله سبحانه يقول في كتابه : " يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة " وهذا عبد الرحمن بن عوف . التاسعة عشرة - إذا اتفق الحكمان لزم الحكم ، وبه قال الحسن والشافعي . وإن اختلفا نظر في غيرهما . وقال محمد بن المواز : لا يأخذ بأرفع من قوليهما ، لأنه عمل بغير تحكيم . وكذلك
--> ( 1 ) في ى : الاغراض . بمعجمة . وباقي الأصول بمهملة . ( 2 ) الثنية : كل عقبة مسلوكة في الجبل .